مهرجان العيطة بآسفي في دورته الـ24… افتتاح تقليدي يثير أسئلة حول التجديد وحماية الموروث الثقافي



افتتحت بمدينة آسفي فعاليات الدورة الرابعة والعشرين للمهرجان الوطني لفن العيطة وسط أجواء اتسمت بحضور جماهيري ومشاركة عدد من المجموعات الفنية المعروفة، غير أن حفل الافتتاح أثار العديد من الملاحظات والانتقادات، سواء من طرف متابعين للشأن الثقافي أو من طرف عدد من الفاعلين المحليين، الذين اعتبروا أن هذه الدورة لم تحمل مؤشرات واضحة على التجديد، سواء على مستوى البرمجة أو التنظيم أو التواصل.
ورغم المكانة التي يحظى بها مهرجان العيطة باعتباره أحد أبرز المواعيد الثقافية بالمغرب، فقد جاءت فقرات حفل الافتتاح، الذي احتضنته قاعة مدينة الثقافة والفنون، مطابقة إلى حد كبير لما اعتاده الجمهور في الدورات السابقة، من خلال الاعتماد على نفس المجموعات الفنية التي دأبت على تنشيط السهرة الافتتاحية كل سنة، دون تقديم رؤية فنية جديدة أو فسح المجال أمام تجارب وأسماء قادرة على إغناء هذا التراث الغنائي العريق.
ومن بين الملاحظات التي رافقت انطلاق المهرجان، غياب الندوة الصحفية التي كانت تشكل تقليدا يسبق افتتاح كل دورة، وتتيح لوسائل الإعلام الاطلاع على تفاصيل البرمجة وأهداف التظاهرة. وفي المقابل، تم تنظيم لقاء محدود لم يحظ بإخبار واسع للصحافة المحلية، حيث اقتصر الحضور، بحسب متابعين، على عدد محدود من المنابر الإعلامية، الأمر الذي أثار تساؤلات حول سياسة التواصل المعتمدة من طرف الجهة المنظمة.
وعلى مستوى السهرة الفنية المنظمة مساء الافتتاح بالقرب من فضاء “الكارتينغ”، فقد خلف اختيار هذا الموقع ردود فعل متباينة، خاصة في صفوف الساكنة المجاورة التي عبرت عن استيائها من ظروف التنظيم وما رافقها من ارتباك.

ويأتي هذا التغيير بعد تعذر تنظيم السهرات بساحة مولاي يوسف، التي احتضنت دورات سابقة، بسبب أشغال إعادة تهيئة شوارع المدينة والمدينة العتيقة عقب الفيضانات المؤلمة التي عرفتها آسفي، غير أن كثيرين اعتبروا أن البديل لم يكن موفقا ولم يراع خصوصية المكان أو راحة السكان.
ورغم تسجيل حضور أمني مكثف لتأمين التظاهرة وضمان سلامة المواطنين، فإن الإقبال الجماهيري، بحسب عدد من المتابعين، ظل أقل من السنوات الماضية، في وقت سعت فيه مختلف المصالح الأمنية إلى تأمين محيط السهرة وتنظيم حركة الحضور.
وفي جانب آخر، أثار تعاقد الجهة المشرفة على المهرجان مع مؤسسة إعلامية من خارج مدينة آسفي لتولي مواكبة فعاليات الدورة الحالية نقاشا داخل الأوساط الإعلامية المحلية، التي اعتبرت أن المدينة تزخر بكفاءات إعلامية قادرة على تغطية الحدث وإبراز خصوصياته، بما يعزز انفتاح المهرجان على محيطه المحلي.
ومن بين الملاحظات التي تثيرها هذه الدورة، استمرار الغياب الرسمي لوزير الثقافة عن فعاليات المهرجان، إذ لم يعرف هذا الموعد الثقافي حضور أي وزير للثقافة منذ دورته الأولى، التي أشرف على افتتاحها وزير الثقافة آنذاك محمد الأشعري. وعلى امتداد 23 دورة متتالية، ظل المهرجان ينظم دون مشاركة أي وزير وصي على القطاع، وهو ما يطرح تساؤلات لدى المتتبعين حول مستوى الاهتمام الرسمي بهذا الموعد الثقافي، رغم مكانته كأحد أبرز المهرجانات الوطنية المخصصة لفن العيطة، الذي يشكل جزءا أصيلا من التراث الثقافي اللامادي للمغرب.
ويبقى النقاش الأهم الذي فرض نفسه مع انطلاق هذه الدورة مرتبطا بجوهر مهرجان العيطة ورسائله الثقافية. ففن العيطة، باعتباره أحد أهم روافد التراث اللامادي المغربي، لا يختزل في تنظيم سهرات فنية فقط، بل يمثل ذاكرة جماعية وإرثا حضاريا يحتاج إلى التوثيق والدراسة والتثمين، من خلال الندوات الفكرية والورشات الأكاديمية وإشراك الباحثين والمهتمين، إلى جانب تشجيع الأجيال الجديدة على التعرف إلى هذا الفن الأصيل.
ويأمل المهتمون بالشأن الثقافي أن تشكل الدورات المقبلة مناسبة لإعادة تقييم تجربة المهرجان، بما يحقق التوازن بين البعد الاحتفالي والرسالة الثقافية، ويمنح فن العيطة المكانة التي يستحقها باعتباره تراثا مغربيا عريقا، يتطلب المحافظة عليه وتطوير آليات نقله للأجيال المقبلة في إطار رؤية ثقافية متجددة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى