عرض “أطرش في زفة” لعدنان قوانين.. رحلة سيكولوجية ودرامية في سرادق الذاكرة والمطهر الاستعاري

في تجربة مسرحية غنية بالدلالات والأسئلة الإنسانية، يوقع الفنان عدنان قوانين تأليفا وإخراجا عرضه الجديد “أطرش في زفة”، في عمل يمتد لنحو 45 دقيقة، ويقترح رحلة مكثفة بين الواقعية الرمزية وفنون الحكاية التقليدية، مستحضرا قضايا الذاكرة والهوية والسلطة والتقاليد داخل فضاء مسرحي شديد التكثيف.

تبدأ الحكاية داخل فضاء مغلق وبارد وشديد الرمزية، هو المستشفى الذي يتحول تدريجيا إلى ما يشبه “المطهر” الزمني والاستعاري، حيث تتقاطع مصائر شخصيتين تنتميان إلى عالمين مختلفين: “حميد المقدم”، رجل سلطة تحكمه إيحاءات ومرجعيات استعمارية ويظهر في بدلة كلاسيكية، و “عائشة”، امرأة متجذرة في التقاليد والمرجعيات الإسلامية وترتدي لباسا تقليديا.

ومن خلال هذا اللقاء غير المتوقع، ينفتح العرض على مواجهة تتجاوز الشخصيتين لتلامس أسئلة الهوية والانتماء والسلطة والذاكرة، حيث يصبح المكان منصة لاستحضار الحكايات ومواجهة الأشباح الداخلية.

ويقوم التصور الإخراجي لعدنان قوانين على توظيف سيكولوجية الانتظار كأداة درامية، في استحضار لتقاليد المسرح العبثي التي جعلت من الانتظار مدخلا إلى مساءلة المصير والوجود الإنساني.

غير أن الانتظار في “أطرش في زفة” لا يعني السكون، بل يتحول إلى حالة نفسية متوترة تتفجر من خلالها الذاكرة والصدمات والصراعات الداخلية.

ويبرز هذا البعد بشكل خاص في أداء سعد اللبازي وهاجر المسناوي، اللذين خاضا تمرينات دقيقة على مستوى الجسد والصوت والتنفس والدكتيون، مستفيدين من تقنيات ومدارس مسرحية كبرى، وهو ما منح الأداء بعدا فيزيائيا ونفسيا واضحا.

فالجسد هنا لا يرافق الحكاية فقط، بل يصبح إحدى لغاتها الأساسية، فيما تتحول الحركة والصوت والصمت إلى أدوات للكشف عن هشاشة الشخصيات وتناقضاتها وعلاقتها بالمجتمع والسلطة والتقاليد.

وعلى مستوى السينوغرافيا، اختار غسان الباز الاشتغال على جمالية الفراغ والتجريد، ليصبح الفضاء الخالي عنصرا دراميا فاعلا، لا مجرد خلفية للأحداث.

ويتعزز هذا الخيار من خلال تقنية المابينغ التي أشرف عليها معاد بياري، بما يفتح المجال أمام تفاعل الصورة والفضاء والجسد، ويمنح المتفرج مساحة أكبر للتركيز على التفاصيل الدقيقة في أداء الممثلين وصناعة المعنى.

وتلعب الإضاءة، التي صممها حمزة عارف، دورا محوريا في بناء المناخ النفسي للعرض، من خلال درجات معتمة ومساحات ضوئية محدودة تنسجم مع أجواء المستشفى والمطهر الاستعاري. كما تساهم الدوشات والكواريض الضوئية في إبراز الحركة الجسدية للممثلين، وتحويل الضوء إلى لغة مسرحية موازية للحوار والأداء.

أما الأزياء والإكسسوارات، فتستند إلى عناصر مرتبطة بالثقافة الشعبية المغربية، بما يعزز البعد الرمزي للشخصيات ويمنحها حمولة بصرية وثقافية.

وتشكل الموسيقى والهندسة الصوتية بدورهما عنصرا أساسيا في بناء عالم “أطرش في زفة”، من خلال الاشتغال الذي أشرفت عليه ناه التجاوي، حيث تتقاطع أجواء البلوز الصحراوي والإلهام الموسيقي المرتبط بتجربة مجموعة تيناريوين (Tinariwen) مع الوجدان المغربي.

كما يتيح التصميم الصوتي، من خلال توظيف طبقات الـSub-Bass والأجواء التجريدية، الانتقال بين واقع المستشفى والعوالم الحلمية والكوابيس، لتتحول الأصوات والمؤثرات إلى جزء من البناء النفسي والدرامي للعمل.

وبهذه الهندسة المتكاملة، ينجح “أطرش في زفة” في تجاوز العرض المسرحي التقليدي الذي يكتفي بسرد الحكاية، ليضع المتفرج أمام تجربة حسية وفكرية مفتوحة على التأويل.

فالجسد والضوء والصوت والفراغ والحكاية تتداخل جميعها في صناعة عالم مسرحي يدعو الجمهور إلى تفكيك ألغاز الذاكرة والهوية ومساءلة علاقة الإنسان بماضيه ومحيطه.

ويضم الفريق الفني للعمل: عدنان قوانين في التأليف والإخراج، سعد اللبازي وهاجر المسناوي في الجسد والتشخيص، غسان الباز في السينوغرافيا، حمزة عارف في الإضاءة، معاد بياري في المابينغ، رضا شراها في إدارة الممثل، ناه التجاوي في تقنيات الصوت، خالد كطناوي مسؤولا إداريا، وعزيز حديم مكلفا بالإعلام والتواصل.

وهكذا يقدم “أطرش في زفة” تجربة مسرحية تراهن على التكثيف والإيحاء، وتمنح الجسد والفضاء والصوت دورا مركزيا في بناء الدلالة، لتضع المتلقي أمام رحلة سيكولوجية ودرامية داخل سرادق الذاكرة، حيث يصبح المستشفى مطهرا استعاريا، ويصبح الانتظار مواجهة، وتتحول الحكاية إلى مرآة للإنسان وأسئلته المفتوحة حول الهوية والسلطة والماضي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى