طقس أمازيغي قديم بات يُقام سنويًا بالتزامن مع عيد الأضحى.. ما قصة احتفالات “بوجلود” التي تثير الجدل في المغرب؟


مع كل عيد أضحى، تعود إلى واجهة النقاش العمومي في المغرب احتفالات “بوجلود” أو “بيلماون”، ذلك الطقس الشعبي الأمازيغي العريق الذي يجمع بين الفرجة والاحتفال والتراث، لكنه في المقابل يثير جدلًا متجددًا بين من يعتبره جزءًا أصيلًا من الهوية الثقافية المغربية، ومن يراه ممارسة فقدت معناها التقليدي وتحولت في بعض الأحيان إلى مصدر للفوضى أو الاستفزاز.

ويُعد “بوجلود” من أبرز الطقوس الاحتفالية المرتبطة بالأيام التي تلي عيد الأضحى، خصوصًا في مناطق سوس والأطلس وبعض مدن الجنوب المغربي، حيث يرتدي المشاركون جلود الأضاحي وأقنعة متنوعة، ويجوبون الأزقة والشوارع وسط أهازيج ورقصات شعبية ومظاهر كرنفالية تستقطب آلاف المتفرجين سنويًا. ويُعرف هذا التقليد أيضًا بأسماء مختلفة بحسب المناطق، من بينها “بيلماون” و”سبع بولبطاين” و”إمعشار”.
ويرى باحثون في الثقافة الأمازيغية أن “بوجلود” يعود إلى موروث احتفالي قديم ارتبط بفكرة التنكر والاحتفاء بمرحلة ما بعد الذبح الجماعي للأضاحي، حيث كان المشاركون يستعملون جلود الماعز والأغنام لصناعة أزياء ترمز إلى القوة والخصوبة والوفرة، قبل أن يتطور الطقس عبر العقود ليتخذ أشكالًا فنية وفرجوية أكثر حداثة.

ومع مرور الزمن، لم يعد الاحتفال يقتصر على ارتداء الجلود فقط، بل أصبح يشمل عروضًا موسيقية واستعراضات جماعية وأزياء مبتكرة تستلهم أحيانًا شخصيات خيالية أو رموزًا فنية معاصرة، ما جعل بعض المهرجانات المرتبطة به تتحول إلى تظاهرات ثقافية واسعة تستقطب الزوار من داخل المغرب وخارجه.

والجدل الذي يرافق “بوجلود” لا يرتبط بأصل الطقس بقدر ما يرتبط بكيفية ممارسته في بعض المناطق. فالمؤيدون يعتبرون الاحتفالات جزءًا من الذاكرة الجماعية للأمازيغ والمغاربة عمومًا، ويرون فيها تعبيرًا عن التنوع الثقافي الذي يميز المملكة، بل إن بعض الأصوات تدعو إلى تثمين هذا الموروث والسعي إلى الاعتراف به ضمن التراث الثقافي غير المادي.
في المقابل، تنتقد فئات أخرى بعض المظاهر التي أصبحت ترافق الاحتفال، مثل استعمال الأقنعة المخيفة أو تسجيل حالات فوضى وتجاوزات في بعض الأحياء، معتبرة أن الطقس خرج أحيانًا عن أهدافه التراثية وتحول إلى مناسبة تستغلها بعض المجموعات لإثارة الشغب أو ترويع السكان. كما يثير الاحتفال نقاشًا دينيًا متكررًا بين من يربطه بموروث ثقافي صرف ومن يطرح تساؤلات حول مدى انسجام بعض مظاهره مع القيم الدينية المرتبطة بعيد الأضحى.
وخلال السنوات الأخيرة، تدخلت السلطات المحلية في بعض المدن لتنظيم هذه الاحتفالات أو الحد من بعض مظاهرها، خاصة بعد تسجيل شكاوى مرتبطة بالإزعاج أو الإخلال بالنظام العام. وفي أكادير، على سبيل المثال، اتُّخذت إجراءات لمنع بعض أشكال الاحتفال داخل الأحياء السكنية في ظروف معينة، مع التأكيد على أن الهدف لا يتعلق بمحاربة التراث الثقافي، بل بضمان الأمن والسلامة العامة.

وكما هو حال العديد من التقاليد الشعبية حول العالم، لم يبقَ “بوجلود” ثابتًا على صورته الأصلية، بل تأثر بالتحولات الاجتماعية والثقافية ووسائل التواصل الاجتماعي، التي ساهمت في انتشار صوره ومقاطع الفيديو الخاصة به على نطاق واسع. وأدى ذلك إلى بروز نقاشات جديدة حول حدود المحافظة على التراث من جهة، وضرورة تجديده وتكييفه مع متطلبات العصر من جهة أخرى. كما تظهر نقاشات متزايدة بين المغاربة أنفسهم بشأن ما إذا كانت النسخ الحديثة من الاحتفال ما تزال تعكس روح الطقس التقليدي أم أنها تحولت إلى عروض استعراضية بعيدة عن جذورها الأصلية.
ويبقى “بوجلود” واحدًا من أكثر الطقوس الشعبية إثارة للنقاش في المغرب، إذ يجسد في الوقت نفسه قوة الموروث الثقافي المحلي، وصعوبة التوفيق بين المحافظة على التقاليد واحترام التحولات الاجتماعية والقانونية التي يشهدها المجتمع المغربي المعاصر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى