
يُشكل القفطان المغربي أكثر من مجرد زي تقليدي؛ إنه هوية حية، وتاريخ متحرك يروي حكاية قرون من الأصالة والابتكار. هذا اللباس الحضري الفاخر، الذي نجح في الصمود أمام تقلبات الزمن، يمثل اليوم رمزاً للتنوع الثقافي المغربي الغني، وجسراً يربط بين عراقة الماضي وإبداع الحاضر.
جذور ضاربة في أعماق التاريخ
تؤكد الوثائق التاريخية أن جذور القفطان المغربي تعود إلى العهد الموحدي، وهي سلالة مغربية حكمت جزءاً كبيراً من شمال إفريقيا والأندلس بين منتصف القرن الثاني عشر وبداية القرن الثالث عشر الميلادي.
ومع مرور الزمن، بدأت الملامح المميزة للقفطان تتبلور بشكل أوضح خلال عهد المرينيين، وتحديداً منذ النصف الثاني من القرن الثالث عشر. وقد حظي هذا الزي باهتمام المؤرخين والرحالة عبر العصور؛ حيث وصفه الجغرافي الشهير ليون الإفريقي (حسن الوزان) في بداية القرن السادس عشر بأنه لباس طويل ومفتوح من الأمام، كان يرتديه الرجال والنساء على حد سواء في مدينة فاس. وفي نفس السياق، فصّل المؤرخ مارمول كارباخال في الحديث عن نوعية الأقمشة الرفيعة التي كان يرتديها أعيان المغرب في النصف الأول من القرن السادس عشر، مثل البروكار ( الديباج)، الحرير، والقطيفة (المخمل).
هندسة الأناقة: تفاصيل وإكسسوارات متكاملة
لم يكن القفطان يوماً قطعة قماش عادية، بل هو منظومة متكاملة من الإبداع اليدوي الذي ترافقه عناصر مادية تزيد من رمزيته وفخامته:
الحلي والمجوهرات: يُزين القفطان بحلي ذهبية رفيعة، من أبرزها الحلي الجبهية مثل “خيط الريح” و“خيط الويزة”، والتاج، و”التا جرات”، والقلائد الفاخرة مثل “اللبة” و”الياشية”، بالإضافة إلى الأقراط (الوانق)، والأساور (الدملج والدبلون)، والخواتم، والمشابك التقليدية (البزيم وتاCombinedزريت).
المضمة (الحزام): تُرتدى حول الخصر لإبراز قوام القفطان، وتكون إما مطرزة يدوياً، أو مصنوعة من الذهب والفضة. كما يمكن أن تكون عبارة عن “مجدول” بسيط، وهو حبل طويل من خيوط الحرير أو الجدائل الفارسية اللامعة التي تلف حول الخصر عدة مرات.
النعال التقليدية: وتتمثل في “الشربيل” المطرز المخصص للنساء، و“البلغة الزيوانية” المصنوعة بدقة بأيدي حرافيي مدينتي فاس ومراكش للرجال.
غطاء الرأس والسروايل: تُزين النساء في شمال المغرب رؤوسهن بوشاح غني بالتطريز أو منسوج بألوان زاهية. ويُرتدى تحت القفطان فضفاض يُعرف بـ “السروال القندريسي” الذي يضيق عند الكاحلين.
السلهام والتخمال: يُتوج الزي أحياناً بـ “السلهام” أو “البرنوس”، وهو عباءة مغربية بقلنسوة مصنوعة من صوف عالي الجودة مثل “حبة الوازن” أو “المَلف” للرجال، وبأثواب أخف للنساء. كما يُستخدم “التخمال”، وهو حبل حريري مرصع أحياناً بالذهب والزمرد والياقوت، لرفع أكمام القفطان النسائي وتسهيل الحركة.
سر الصنعة: السيفة والعقاد
على مر العصور، خضع القفطان المغربي لتطورات ملحوظة في التصميم، لكنه حافظ على ركائزه الأساسية التي تمنحه هويته الفريدة. وتعتبر الخياطة التقليدية المغربية جوهر هذا الزي، متمثلة في “السيفة” (الأشرطة الحريرية والذهبية المنسوجة يدويًا) الممتدة على طول القفطان، والتي تزدان بصف من “العقاد” (الأزرار الصغيرة المغزلية بدقة) والعيون، مدعومة بتطريزات مغربية أصيلة ومتنوعة بتنوع مناطق المملكة.
من المحلية إلى العالمية: الحداثة تحمي الموروث
في العصر الحديث، اكتسب القفطان المغربي شهرة عالمية واسعة، وضمن استمراريته وتطوره بفضل جيل جديد من المصممين والمصممات المغاربة. هؤلاء المبدعون نجحوا في إعادة صياغة القفطان ليواكب خطوط الموضة العصرية ويصبح قطعا سهلة الارتداء تتسم بالأناقة المعاصرة، دون المساس بإرث الماضي أو التخلي عن اللمسة السحرية للصناع التقليديين الذين يظلون حراس هذا التراث غير المادي العريق




