
لماذا تتحول لحظة إعلان الفوز الانتخابي لدى بعض المرشحين إلى مناسبة للاحتفال الباذخ، بينما يفترض أن تكون في المقابل لحظة استحضار لحجم المسؤولية التي تبدأ منذ اليوم الأول بعد إعلان النتائج؟
السؤال لا يتعلق بمشروعية الاحتفال بالفوز، ولا برغبة المنتخبين في مشاركة أنصارهم وأقاربهم فرحة النجاح، وإنما يرتبط بصورة أعمق بمعنى التمثيل النيابي ودلالة الثقة التي يمنحها المواطن لصاحبها.
فالحصول على مقعد داخل البرلمان ليس مجرد تتويج لمسار انتخابي، ولا ينبغي اختزاله في انتصار شخصي أو حزبي؛ إنه، في جوهره، تكليف شعبي ومسؤولية عامة وأمانة سياسية تضع المنتخب أمام انتظارات آلاف المواطنين.
ومن الطبيعي أن يطرح الرأي العام تساؤلات عندما تترافق بعض مظاهر الفوز مع حفلات وولائم ومظاهر إنفاق لافتة، خصوصا في سياق اجتماعي واقتصادي يواجه فيه عدد من المواطنين تحديات مرتبطة بالقدرة الشرائية، وفرص الشغل، والصحة، والتعليم، والسكن والخدمات العمومية.
فالمواطن الذي وضع ثقته في مرشح لم يمنحه، في نهاية المطاف، مجرد بطاقة عبور إلى البرلمان، وإنما حمّله جزءا من صوته وانتظاراته ومطالبه.
ولهذا، فإن الاحتفال الحقيقي بالفوز يفترض أن يبدأ بعد انتهاء الاحتفال نفسه: داخل المؤسسة التشريعية، من خلال الحضور، والترافع، والتشريع، ومراقبة السياسات العمومية، والاستماع إلى المواطنين، والدفاع عن القضايا التي شكلت جزءا من دوافع التصويت.
كما أن المنتخب، بمجرد وصوله إلى البرلمان، يصبح معنيا بسؤال أكبر من سؤال الفوز: هل سيكون قادرا على تحويل الثقة الانتخابية إلى أداء ملموس ومسؤول؟
ولا يعني هذا بالضرورة أن كل احتفال انتخابي فاخر يمثل تبذيرا أو أن كل منتخب يقيم احتفالا لا يضع المسؤولية في مقدمة أولوياته؛ فذلك يظل أمرا يحتاج إلى معطيات دقيقة حتى يمكن الحكم عليه. لكن من حق المجتمع أن يناقش دلالات هذه المظاهر وحدود التناسب بينها وبين طبيعة المهمة النيابية.
فالانتخابات تنتهي بإعلان النتائج، لكن مسؤولية المنتخب تبدأ فعلياً بعد ذلك.
وبين صورة المرشح المحتفل بفوزه، وصورة البرلماني الذي يواجه ملفات المواطنين وقضاياهم، مسافة تختصرها كلمة واحدة: المسؤولية.
لذلك، ربما يكون السؤال الأكثر أهمية بعد كل استحقاق انتخابي ليس: كيف احتفل الفائز؟ بل: كيف سيؤدي الأمانة التي منحها له الناخبون؟
فالمقعد البرلماني قد يكون ثمرة انتخابات، لكنه في النهاية تكليف لخدمة المواطنين، وليس مجرد مناسبة للاحتفال بالوصول.




