
لم يكن أشد المتفائلين من مزارعي التين الشوكي، ولا أكثر المتشائمين من مستهلكيه في المغرب، يتوقع أن يأتي يوم تتحول فيه هذه الفاكهة “الشعبية” إلى مادة تثير الجدل في الصالونات السياسية والاقتصادية.
بيد أن واقع الأسواق اليوم صدم الجميع؛ بعدما قفز سعر الحبة الواحدة من “الهندية” أو “الكرموس” إلى حاجز 10 دراهم في بعض المناطق، معلناً بذلك قطيعة طبقية مع فئات واسعة من ذوي الدخل المحدود الذين طالما اعتبروها ملاذهم الصيفي الآمن وبديلهم الغذائي غير المكلف.
هذا التحول الفجائي يطرح تساؤلات جوهرية حول العوامل الإستراتيجية والديناميكيات التي قادت “فاكهة الفقراء” إلى دخول بورصة المنتجات الفاخرة.
ويرجع السبب المباشر والشرارة الأولى لهذا الارتفاع الصاروخي بالأساس إلى التراجع الحاد في المساحات المزروعة بنبات الصبار. فخلال السنوات الماضية، عانى القطاع الفلاحي المغربي من زحف الحشرة القرمزية المدمرة، التي فتكت بآلاف الهكتارات من هذه النبتة عبر ربوع المملكة، وخاصة في مناطق الإنتاج التاريخية مثل “سيدي إفني” و”الرحامنة”.
ورغم الجهود الرسمية لإعادة استزراع أصناف مقاومة لهذه الآفة، فإن العرض المتاح في السوق حالياً ما يزال ضعيفاً جداً ولا يلبي حجم الطلب المتزايد مع بداية فصل الصيف، مما جعل “الهندية” عملة نادرة تخضع لقانون السوق الصارم (قلة العرض مقابل كثرة الطلب).
وإلى جانب أزمة الإنتاج، تتدخل عوامل اقتصادية أخرى لتضخيم الفاتورة النهائية على المستهلك؛ ومن أبرزها،تكلفة النقل وسلاسل الإمداد: في ظل تذبذب أسعار المحروقات، فإن نقل الفاكهة من مناطق الإنتاج البعيدة إلى الحواضر الكبرى (كالدار البيضاء، الرباط، وطنجة) يرفع كلفة المنتج.
كما تلعب المضاربة في الأسواق العشوائية دوراً سلبياً في مضاعفة الأسعار قبل وصول الفاكهة إلى بائع التقسيط النهائي.
هذا وبات التين الشوكي مطلوباً بكثرة في الصناعات التحويلية الحديثة (استخراج زيت بذور الصبار الثمين، ومستحضرات التجميل)، مما خلق منافسة شرسة بين الشركات والمستهلك البسيط لاقتناء المادة الخام.
واجتماعياً، تجاوزت المسألة مجرد غلاء مادة استهلاكية إلى اهتزاز رمز ثقافي للمائدة المغربية. فلأجيال متعاقبة، ارتبط “الكرموس” بالطبقات الشعبية؛ حيث كان يوفر فرصة شغل موسمية لآلاف الشباب والعائلات عبر بيعه على عربات مجرورة، ويضمن طاقة غذائية بأسعار بخسة للمواطنين.
اليوم، يعبّر الباعة أنفسهم عن استيائهم، لأن الغلاء قلص هامش ربحهم ونفّر زبائنهم التقليديين.
وتحول المشهد في الشارع المغربي من اقتناء “بالشطب والدلاح والكميات الوافرة” إلى الشراء “بالحبة الواحدة” على استحياء، وهو ما يعكس تراجع القدرة الشرائية واتساع فجوة التضخم الغذائي.
تثبت أزمة “الهندية” بـ10 دراهم أن التغيرات المناخية والآفات الفلاحية قادرة على إعادة صياغة الخريطة الطبقية للاستهلاك.
وإنقاذ هذه الفاكهة وإعادتها إلى طابعها الشعبي بات رهيناً بتسريع وتيرة مخططات وزارة الفلاحة لإحياء قطاع الصبار بأصناف مقاومة، وتشديد المراقبة على مسالك التوزيع لقطع الطريق أمام المضاربين، حتى لا تظل فاكهة البسطاء حكراً على موائد الأثرياء.




