من تيزنيت إلى برايا… شراكة زرقاء ترسم مستقبلًا أخضر لإفريقيا

بقلم: حسن هرهار

في مشهد استثنائي يجمع بين البعد الإفريقي، والدبلوماسية الترابية، والتنمية المستدامة، استقبل الرئيس خوسيه ماريا نيفيس، رئيس دولة الرأس الأخضر، وفدًا مغربيًا رفيع المستوى من إقليم تيزنيت، وذلك بالقصر الجمهوري بالعاصمة برايا.
زيارة رسمية غير اعتيادية، لأنها حملت بين طياتها بذور نموذج جديد للشراكة جنوب–جنوب، يقوم على الاقتصاد الأزرق، التنمية البشرية، والاستفادة من التجارب الترابية في صناعة التغيير المحلي.

عندما تلتقي الجغرافيا بالإرادة السياسية

الرأس الأخضر والمغرب، رغم المسافة البحرية، يتقاسمان أكثر مما قد يبدو ظاهريًا. فكلاهما يُدرك أن البحر لم يعد مجرد مجال طبيعي، بل مورد استراتيجي للتنمية، وأن المراهنة على الاقتصاد البحري تمثل أحد أهم مفاتيح المستقبل، ليس فقط على مستوى الغذاء والطاقة، بل على مستوى الكرامة الإنسانية، وتحقيق السيادة الاقتصادية.

زيارة وفد تيزنيت بقيادة محمد الشيخ بلا، وبدعم من وزارة الداخلية المغربية عبر الصندوق الأفريقي FACDI، لم تكن مجرد زيارة بروتوكولية، بل جاءت محمّلة برؤية واضحة، تحمل توقيع الملك محمد السادس، الذي جعل من التعاون الإفريقي عمقًا استراتيجيًا للسياسة الخارجية المغربية، ومحرّكًا للتنمية في القارة السمراء.

الاقتصاد الأزرق: من الشعار إلى الإنجاز

الشراكة بين جماعة تافراوت ومجلس تيزنيت ونظيرتهما في ريبيرا غراندي دي سانتياغو بالرأس الأخضر، تمثل أول تجربة من نوعها على مستوى التعاون الجماعي في إفريقيا، وهي شراكة تعتمد على مشروع ملموس لا على مجرد نوايا.

يهدف هذا المشروع إلى:

تأهيل دار للصيادين ببورتو موسكيتو وسانتياغو.

تجهيز عشرات الصيادين بالمعدات البحرية الأساسية.

خلق تكوينات مهنية لتحسين تقنيات الصيد المحلي.

تمكين العائلات الهشة وتحسين دخلها واستقرارها.

تعزيز البنية الترفيهية والاجتماعية لعمال البحر.

لكن الأهم من كل ذلك، هو أن هذا المشروع ينقل التعاون من مستوى “الدولة” إلى مستوى “الجماعة”، ومن مستوى الخطاب إلى مستوى التنفيذ”.

المغرب وإفريقيا: من ريادة المواقف إلى ريادة النماذج

المغرب، كما أكد الشيخ بلا في كلمته، يتحرك وفق رؤية ملكية تضع التعاون جنوب–جنوب كخيار استراتيجي لا تكتيك ظرفي. وهو تعاون يتجاوز منطق “المساعدة”، إلى منطق “التشارك”، ويستند إلى نقل التجارب والخبرات، وبناء المشاريع ذات الأثر المحلي.

الرأس الأخضر، بدورها، وجدت في هذا التعاون فرصة لتعزيز خياراتها التنموية، وتجسيد رؤيتها الاستراتيجية المبنية على البحر كمحور للتقدم الاقتصادي والاجتماعي.

كلمات الرئيس نيفيس كانت واضحة: “البحر هو حاضر ومستقبل الرأس الأخضر”، ومن هنا تأتي أهمية هذه الشراكة، التي لا تُكرّس فقط التكامل الاقتصادي، بل تؤسس أيضًا لثقافة التمكين المحلي وتعزيز السيادة الترابية.

من قلب الجنوب… تكتب التنمية بلغة مشتركة

قد يمرّ هذا الحدث على البعض مرور الكرام، لكنه في الواقع لبنة في مشروع كبير لتغيير وجه التعاون الإفريقي. مشروع تتقاطع فيه رؤية القيادة الملكية بالمغرب، مع تطلعات الشعوب الإفريقية الباحثة عن نماذج تنموية تنبع من الأرض وتصعد من القاعدة، بعيدًا عن الوصفات الجاهزة.

ما جرى في العاصمة برايا ليس فقط استقبالا رسميًا، بل تجسيد لفكرة أن التنمية في إفريقيا لا تحتاج لمانحين خارجيين بقدر ما تحتاج لإرادة داخلية، وشراكات أفقية، واحترام متبادل.

تيزنيت وبرايا… حين يتحول الحلم الإفريقي إلى خطة عمل

الزيارة التاريخية لوفد تيزنيت إلى الرأس الأخضر، هي أكثر من تعاون بين بلديتين، إنها رمزية سياسية قوية، ورسالة إنسانية عميقة، تقول بأن القارة السمراء قادرة على التغيير من داخلها، بشرط أن تؤمن بإمكاناتها، وتستثمر في أبنائها، وتراهن على التشارك لا التبعية.

الاقتصاد الأزرق ليس مجرد قطاع، بل مستقبل. والمغرب، مرة أخرى، يثبت أنه ليس فقط بوابة إفريقيا نحو العالم، بل أيضًا قاطرتها نحو التنمية المستقلة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى