
مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقبلة، بدأت ملامح السباق السياسي في المغرب تتضح بشكل أكثر حدة، في ظل تصاعد المنافسة بين الأحزاب على استقطاب البرلمانيين والمنتخبين والوجوه السياسية المؤثرة، وسط تساؤلات حول طبيعة الخريطة السياسية التي ستفرزها الاستحقاقات المقبلة، وما إذا كانت ستفتح الباب أمام صعود أسماء جديدة، أم ستعيد الوجوه نفسها إلى قبة البرلمان.
وفي هذا السياق، دخلت العلاقة بين مكونات الأغلبية الحكومية مرحلة جديدة من التوتر، بعدما خرج حزب التجمع الوطني للأحرار للتعبير بشكل صريح عن رفضه لما وصفه بـ«الاستمالات والضغوط» التي يتعرض لها عدد من برلمانييه ومنتخبيه ومسؤوليه، متهما حزب الأصالة والمعاصرة بالوقوف وراء هذه الممارسات.
وسجل المكتب السياسي لحزب التجمع الوطني للأحرار، خلال اجتماع عقده اليوم الثلاثاء بصيغة نصف حضورية، بقلق شديد ما اعتبره محاولات لاستقطاب عدد من الأسماء التابعة للحزب، معتبرا أن مثل هذه الممارسات تطرح إشكالات مرتبطة بأخلاقيات العمل السياسي وبقواعد التنافس الديمقراطي، خصوصا في مرحلة تسبق الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
وأكد الحزب أن ما يجري على أرض الواقع يكشف، بحسب تعبيره، عن «مفارقة صارخة» بين الخطاب السياسي الداعي إلى النزاهة واحترام قواعد المنافسة، وبين ممارسات يرى أنها لا تنسجم مع تلك المبادئ.
وأشار المكتب السياسي لـ«حزب الحمامة» إلى أن الاتفاق على قواعد مشتركة لتخليق الحياة السياسية وضمان نزاهة التنافس الانتخابي يفقد معناه، إذا ما جرى الالتفاف عليها من خلال استقطابات وضغوط حزبية، معتبرا أن هذه الإشكالية برزت بشكل خاص في العلاقة بين التجمع الوطني للأحرار والأصالة والمعاصرة.
ولا تبدو هذه التطورات معزولة عن سياق سياسي أوسع، إذ بدأت المنافسة الانتخابية المقبلة تلقي بظلالها على العلاقة بين مكونات الأغلبية الحكومية، في وقت يسعى فيه كل حزب إلى تعزيز حضوره الانتخابي وتقوية مواقعه عبر استقطاب شخصيات سياسية ومنتخبين قادرين على حصد الأصوات والمقاعد.
ويكتسي استقطاب الأسماء الانتخابية ذات الحضور المحلي أهمية خاصة بالنسبة للأحزاب، إذ أصبحت بعض الوجوه السياسية والمنتخبين المحليين محط تنافس، بالنظر إلى قدرتهم على التأثير في الخريطة الانتخابية بدوائرهم، وهو ما يجعل الانتقال من حزب إلى آخر أو إعادة ترتيب التحالفات المحلية عاملا مؤثرا في نتائج الاستحقاقات المقبلة.
وبينما تسعى الأحزاب إلى تقديم نفسها باعتبارها قادرة على ضخ دماء جديدة في الحياة السياسية، تطرح التطورات الحالية سؤالا جوهريا حول مستقبل النخب السياسية بالمغرب: هل ستشكل الانتخابات المقبلة فرصة حقيقية لبروز جيل جديد من السياسيين والمنتخبين، أم أن التجربة ستعيد إنتاج الوجوه التقليدية نفسها التي راكمت حضورا انتخابيا وسياسيا خلال السنوات الماضية؟
كما يفرض التوتر المتزايد بين مكونات الأغلبية سؤالا آخر حول مستقبل التحالف الحكومي، خصوصا في ظل انتقال المنافسة من مجرد اختلاف في المواقف إلى صراع واضح حول النفوذ الانتخابي واستقطاب المرشحين والمنتخبين.
ومع اقتراب موعد الاستحقاقات، يبدو أن «الحرب الباردة» داخل الأغلبية قد تتحول تدريجيا إلى مواجهة سياسية مفتوحة، خصوصا إذا استمرت عمليات الاستقطاب المتبادل، وهو ما قد يجعل المعركة الانتخابية المقبلة لا تدور فقط بين الأغلبية والمعارضة، بل أيضا داخل مكونات الأغلبية نفسها.
وبين طموح الأحزاب إلى توسيع قواعدها الانتخابية، ورغبة بعض البرلمانيين والمنتخبين في ضمان مواقعهم السياسية المقبلة، تظل صناديق الاقتراع وحدها القادرة على حسم سؤال الخريطة السياسية الجديدة، وتحديد ما إذا كان الناخب المغربي سيمنح الفرصة لوجوه جديدة، أم سيعيد الثقة في أسماء سبق أن شغلت مقاعدها داخل المؤسسة التشريعية.




