آخر الأخبارأخبار وطنية

أمير المؤمنين يترأس الدرس الأول من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية ألقاه أحمد التوفيق

 ترأس أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس ، مرفوقا بصاحب السمو الملكي ولي العهد الأمير مولاي الحسن، وصاحب السمو الملكي الأمير مولاي رشيد، وصاحب السمو الأمير مولاي إسماعيل، اليوم الجمعة بالقصر الملكي بالرباط، الدرس الأول من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية.

وألقى درس اليوم، بين يدي أمير المؤمنين، السيد أحمد التوفيق، وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، متناولا بالدرس والتحليل موضوع “استثمار قيم الدين في نموذج التنمية”، انطلاقا من قول الله تعالى في سورة آل عمران “كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله”.

وأوضح السيد التوفيق أن علاقة الدين بالأخلاق لم يعد ينظر إليها بالنظر الفلسفي المتشكك، لأن الدراسات الحديثة لهذه الظاهرة تنطلق من كون الديانات التي تعتمد الكتب المنزلة، لها مرجعيتها في مسألة أصل الخير والشر، مضيفا أن القصد بقيم الدين في الإسلام هو كل ما ورد في القرآن الكريم وفي السنة الصحيحة من أحكام وأخلاق، على حسب الفهم الغالب عند الجمهور.

وبين المحاضر مدلول مصطلحي “التنمية” و”النموذج” الواردين في عنوان الدرس، حيث أن مصطلح التنمية، كما نستعمله اليوم بمعنى الزيادة في القيم المختلفة، أموالا كانت أو غيرها، فمعناه متضمن في التزكية، ولكن التزكية تزيد عنه بمعنى الطهارة، وتعني في باب المال سلامة وجه اكتسابه وصواب وجه إنفاقه. أما مصطلح “النموذج” فالكلام عنه مبرر من وجوه، منها أن الدين في اعتقاد أهله نموذج في حد ذاته، لكمالة وتوافق عناصره، ومن ثمة فأسلوب العيش الذي يقترحه لا يمكن أن يكون إلا نموذجيا.

وحسب المحاضر، فإن مفهوم الأمر بالمعروف مفهوم عظيم جاء ليؤسس حياة المسلمين على اليقظة الدائمة من أجل القيام على البناء المستدام، وعلى الإصلاح من أجل المعالجة المستمرة لأنواع الفساد، مضيفا أن المسلمين فوتوا على أنفسهم فرصة الاستفادة التاريخية الكبرى من هذا التوجيه لأسباب، منها على الخصوص، عدم التدبر الكافي لسنن الكون، ومنها سنن التاريخ، وعدم توفر الشروط المادية المتوفرة اليوم لتفعيل وازع السلطان، أي سلطة القانون.

ويمكن القول -يضيف السيد التوفيق- إن الآية بحدودها أو عناصرها ترسم نظاما جماعيا أو بالأحرى نموذجا، في إطار منافسة الأمم الخيرية التي هي غاية النموذج، وإنها تضع لذلك النموذج شروطا تلتزم بها الأمة، لا لمجرد التفوق في الخيرية على الناس، بل بقصد الاقتداء الذي يتطلبه العالم. فشروط هذا النموذج تهم الإطار الذي يتحكم في الاقتصاد من جهة التدبير السياسي، إنه نموذج مفترض يقتضي أن تتحمل فيه الدولة المسئولية في توجيه البناء والإصلاح.

وفي المحور الثاني المتعلق بـ “النموذج الاقتصادي في العهد المؤسس وما بعده”، أوضح المحاضر أن آلية الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر تحيل على صرح شامخ من أخلاق القرآن، مبني على الأحكام والقواعد في موضوع الواجبات والمسئوليات والجزاءات، ودعامته توجهات تتعلق بالدوافع والنوايا والاجتهادات، تشمل الفرد والعائلة والجماعة، كما تشمل الأخلاق والتصرفات على مستوى التزامات الدولة.

وحسب السيد التوفيق، فإن التاريخ يخبرنا أن هذه الآلية اشتغلت في العهد النبوي، لقوة الوازع، أي بفضل التأثير القوي للجملة التي بعث من أجلها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي تلاوة الآيات والتزكية وتعليم الكتاب والحكمة، علما أن تفعيل هذه الدينامية عرف تعثرا بعد العهد النبوي.

وهنا، أبرز المحاضر أن القرآن الكريم يقر الملكية، ولا يتعرض على التفاوت، ولا يثني على المترفين إذا كانوا كافرين بالنعمة، يرضى عن الفعالية التجارية ويستنكر الغش والخداع، يحرم استغلال ضعف الناس بمضاعفة فوائد القروض، يحض على الزكاة كوجه لتثمير الأموال وإسعاف المعوزين. أما نصوص السنة فقد ورد فيها ما يفيد بأن الحق في الملكية قد يكون محدودا لبعض الاعتبارات، كما ورد فيه تحريم الغرر والربح الناتج عن الصدفة، ومنع الاحتكار وبيع الجزاف.

 وأشار إلى أن النظام الإسلامي كان أكثر نجاعة ما دامت عولمة الاقتصادات ضعيفة، مع ما صاحب ذلك من غياب مؤسسات قانونية رسمية، مضيفا أن تاريخ الإسلام عرف قيام مؤسسات سياسية وتدبيرية كثيرة، أشهرها القضاء والحسبة، أما الجماعات، ولاسيما في المغرب، فقد وضعت لنفسها ضوابط ترسخ المعروف المرجعي للتعامل ولفض النزاعات بالتي هي أحسن، حيث يسمى جانب من هذا المعروف عندنا بالعمل أو أزرف..

وبخصوص “آفاق استثمار قيم الدين في نموذج التنمية”، سجل السيد التوفيق أن الغاية من استثمار قيم الدين في نموذج التنمية أمران متلازمان: الزيادة في ثروة الأمة والتخفيف من وطأة الفقر، مبرزا أن المقصود بالاستثمار هنا التزام الفاعلين الاقتصاديين بمقتضى القيم المندرجة في الواجبات، ثم بتلك التي من قبيل المندوبات، متسائلا في هذا الصدد: من يتعين عليه أن يقوم بهذا الإستثمار؟.

وبعد أن بين أن إعمال المعروف على مستوى الجماعة هو الذي يفضي إلى بناء المؤسسات، أوضح أن ذلك يعني أن الإمارة، أي الدولة، هي التي يرجع إليها الدور الأول في استثمار قيم الدين، إذ أن الدولة هي صاحبة الاختصاص في الأمر بالمعروف على مستوى الجماعة.

و استنتج كغيره، أن ما وقع من تأخر للمسلمين ترتب عن عدم الأخذ بسنن الكون المبنية على السعي والاجتهاد، والتي جاءت واضحة المعالم في الكتاب المبين، وعن تفشي الجهل وقلة العلماء المؤثرين وعن جمود العقول على القديم ليخلص إلى أن العلة الكبرى في التأخر هي فساد الأخلاق، “وهو أمر تقع مسئوليته على المتدينين لا على الدين.

وخلص السيد التوفيق إلى القول، إنه عندما نزل قول الله تعالى “كنتم خير أمة أخرجت للناس” فهمه الصحابة رضوان الله عنهم في بعده الإنساني، باعتبار الإنسان هو حجر الزاوية في كل إصلاح، فقالوا وفق ما جاء في تفسير الطبري:خير الناس معناه “خير الناس للناس”، فأنعم بها من غاية مثلى لكل نموذج تنمية تستثمر فيه قيم الدين.

وفي ختام الدرس الافتتاحي من سلسلة الدروس الحسنية الرمضانية، تقدم للسلام على أمير المؤمنين صاحب الجلالة الملك محمد السادس، كل من الأساتذة شوقي علام مفتي الديار المصرية، وبهاء الدين محمد جمال الدين الندوي نائب رئيس جامعة دار الهدى الإسلامية بالهند، وسعيد هبة الله كامليف مدير معهد الحضارة الإسلامية بموسكو، والشيخ يونس توري عضو فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بكوت ديفوار، وثاني عبد الرحيم شئت رئيس فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بالبنين، وأبو عركي الشيخ عبد القادر أستاذ جامعي سابقا بالسودان، ويحيى محمد إلياس رئيس فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بجزر القمر المتحدة، وسندايغايا موسى رئيس فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة برواندا، وماتيتا نزولا عضو فرع مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بأنغولا.

وقدم وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية، إلى أمير المؤمنين تسجيلا صوتيا يضم عشرين ختمة للقرآن الكريم بأصوات القراء المغاربة، وفي هذا التسجيل سبعة عشر مقرئا سجل كل واحد منهم المصحف كاملا بقراءة ورش، أقدمهم المقرئ الحاج عبد الرحمان بنموسى رحمه الله، وأربعة قراء سجلوا المصحف بالاشتراك، وثلاثون قارئة سجلت كل واحدة منهن حزبين، والقراءة الجماعية للحزب الراتب من ستين مسجدا من مساجد المملكة.

موروكو ميديا نيوز

نحن منبر إعلامي مستقل، ينقل الخبر الأكيد للمغاربة ولجميع القراء في بقاع العالم، وللمتتبعين للشأن المغربي بكل موضوعية ومصداقية ...

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق